محمد سالم محيسن
208
معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ
وقد اتصف « ابن المنادي » بكثير من الصفات النبيلة التي تتفق وتعاليم الإسلام ، من هذه الصفات أنه كان شديد العناية بصدق الرواية ، ولا يقبل الكذب أيا كان نوعه ومن جرب عليه الكذب ولو مرة واحدة فإنه لا يقبله في حلقة درسه ، لأن المحدث يجب أن يتحلى بالصدق في جميع الأحوال . حول هذا المعنى يروي لنا الخطيب البغدادي هذه الحادثة فيقول : قال لي « أبو الحسن بن الصلت » : كنا نمضي مع « ابن قاح الوراق » إلى « ابن المنادي » لنسمع منه فإذا وقفنا ببابه خرجت إلينا جارية له وقالت : كم أنتم ؟ فنخبرها بعددنا ، ويؤذن لنا في الدخول ويحدثنا ، فحضر معنا مرة إنسان علوي وغلام له فلما استأذنا قالت الجارية : كم أنتم ؟ فقلنا : نحن ثلاثة عشر ، وما كنا حسبنا العلوي ولا غلامه في العدد ، فدخلنا عليه ، فلما رآنا خمسة عشر نفسا قال لنا : انصرفوا اليوم فلست أحدثكم ، فانصرفنا وظننا أنه عرض له شغل ، ثم عدنا إليه مجلسا ثانيا ، فصرفنا ولم يحدثنا ، فسألناه بعد ذلك عن السبب الذي أوجب ترك التحدث لنا ، فقال : كنتم تذكرون عددكم في كل مرة للجارية فتصدقون ، ثم كذبتم في المرة الأخرى . ومن كذب في هذا المقدار لم يؤمن أن يكذب فيما هو أكبر منه ، قال : فاعتذرنا إليه وقلنا : نتحفظ فيما بعد ، فحدثنا » 1 ه « 1 » . وهكذا يجب على كل مسلم وبخاصة العلماء التحلي بالصدق ، الذي هو من أسمى الصفات الحميدة ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم كان يلقب قبل بعثته عليه الصلاة والسلام بالصادق الأمين . وتعاليم الهادي البشير صلى اللّه عليه وسلم كلها تحث على الصدق وتحذر من الكذب .
--> ( 1 ) انظر تاريخ بغداد ج 4 ص 69 - 70 .